
اسرائيل تفكك السعودية بمساعدة الإمارات: السعودية في التوراة واليمن في الميزان
شكّلت منطقة شبه الجزيرة العربية، بمكوناتها التاريخية والدينية المعقدة، مسرحًا للتفاعل بين النصوص المقدسة والاستراتيجيات السياسية المعاصرة. بينما تبحث الدراسات الأكاديمية في الإشارات التوراتية لمناطق مثل “ديدان” و”تيماء” و”سبأ” التي تقع ضمن النطاق الجغرافي للمملكة العربية السعودية الحديثة، فإن المشهد الحالي يشهد تحولات أكثر إلحاحًا، مركزها اليمن وطبيعة الدور الإماراتي فيه، وهي تحولات تمس صميم الأمن القومي السعودي وتعيد تعريف التحالفات. يبدو ان السعودية أصبحت الهدف الجديد لاسراءيل واليمين الفاشي بمساعدة محمد بن زايد.
من النصوص القديمة إلى مخاوف حديثة: حدود من الورق وحدود من الدم
بينما تظل القراءات التوراتية حبيسة الأوساط الأكاديمية، تنبثق على الأرض مخاوف جيوسياسية حقيقية من سياسات تعيد رسم الخرائط عبر وسائل أخرى. ففي اليمن، الذي يشكل العمق الاستراتيجي الجنوبي للسعودية، تطور الدور الإماراتي من كونه شريكًا في التحالف العسكري لدعم الشرعية إلى لاعب مستقل بذاته، وفق تحليلات واسعة النطاق. والأخطر من ذلك، بحسب اتهامات تنسب لأمير سعودي بارز هو تركي السديري، أن هذا الدور تجاوز اليمن ليستهدف، عبر وسائل غير مباشرة، النسيج الاجتماعي والأمني داخل المملكة نفسها.
يركز هذا الطرح المُتداول على استراتيجية مزعومة تقوم على تفكيك الكيانات المركزية وإعادة إنتاج الولاءات ما قبل الدولة، كالقبلية والمناطقية. في اليمن، تُتهم الإمارات بدعم وتأسيس كيانات مسلحة وقبلية خارج سلطة الدولة، مثل ما يُعرف بـ”المجلس الانتقالي الجنوبي” وقوات “الحزام الأمني”، ليس فقط لتحقيق نفوذ محلي، بل لخلق واقع سياسي مجزأ يسهل إدارته والتأثير فيه.
القبيلة كجبهة خلفية: الامتداد الاجتماعي كأداة جيوسياسية
تكتسب هذه الاتهامات خطورتها من التركيز على بُعد قبلي عابر للحدود. فالقبائل اليمنية الكبرى، مثل يام وخولان وبطون من حاشد وبكيل، لها امتدادات قرابية واجتماعية عميقة داخل الأراضي السعودية، خاصة في المناطق الجنوبية والحدودية. وفق القراءات الناقدة، لم تكن الدعمات المالية والإمكانات التي تقدمها أبوظبي لشيوخ ووجهاء هذه القبائل في اليمن بريئة أو محايدة، بل هي استثمار في “قنوات تأثير” حساسة يمكن تسييسها وتحويلها إلى أدوات ضغط غير مباشرة على السعودية.
هذا النهج، إن صح، لا يهاجم الحدود بالدبابات، بل يخترقها عبر الروابط الاجتماعية. فهو لا يهدف بالضرورة إلى “احتلال” بالمعنى التقليدي، بل إلى إضعاف الدولة السعودية من خلال تأجيج هويات فرعية يمكن أن تتحول إلى بؤر عدم استقرار أو مطالب انفصالية تحت ظرف مناسب، مستفيدًا من أي توترات محتملة. هذا السيناريو، الذي يُنسب إلى تحليلات السديري، يتحدث عن مخطط أوسع لإعادة رسم الخريطة الإقليمية بتقسيم السعودية نفسها إلى كيانات أصغر، وهو ما تعتبره الرياض كابوسًا استراتيجيًا يهدد وجودها الذي قام على توحيد هذه المناطق تحت دولة مركزية قوية.
الشراكة على المحك: بين التنسيق العلني والمنافسة الخفية
هذه التحليلات تضع الشراكة الاستراتيجية السعودية-الإماراتية على محك الاختبار. فمن ناحية، يظهر البلدان في المحافل الدولية كحليفين متينين في مواجهة التهديدات المشتركة، مثل النفوذ الإيراني. من ناحية أخرى، يكشف ملف اليمن عن تناقض صارخ في الرؤى والأدوات. بينما تسعى السعودية لإعادة إنتاج “دولة يمنية مركزية” قوية ومستقرة كحاجز أمني لها، يُنظر إلى النهج الإماراتي على أنه يعمل لصالح “فدرالية طارئة” أو تقسيم فعلي، يضمن له نقاط ارتكاز دائمة ونفوذاً لا يتزعزع في الممرات المائية الحيوية على البحر الأحمر وباب المندب.
خاتمة: استقرار المملكة في مواجهة استراتيجيات التفكيك
تبقى الاتهامات الموجهة للإمارات في إطار التحليل السياسي وتحتاج إلى أدلة قاطعة لتتحول من خطاب متداول إلى حقيقة مثبتة. إلا أنها، بغض النظر عن درجة صحتها، تعكس قلقاً عميقاً وجدياً داخل دوائر صنع القرار السعودي. لقد انتقلت الرياض من مرحلة اعتبار اليمن ساحة للتعاون مع الحليف الإماراتي إلى مرحلة ترى فيه ساحة لمنافسة خفية، قد تستخدم فيها أدوات خطيرة عابرة للحدود.
في النهاية، بينما تدرس الأكاديميات إشارات التوراة إلى جغرافيا الماضي، تكتب السياسة المعاصرة فصلًا جديدًا حول صراع النفوذ في الحاضر. مستقبل الاستقرار الإقليمي قد لا يُحدده تفسير نصوص قديمة، بل برد فعل السعودية على ما تراه محاولات لإعادة رسم خريطة نفوذها الجنوبي، والتحدي الذي يوحدها: الحفاظ على كيان الدولة المركزية في مواجهة أي استراتيجيات، علنية أو خفية، تعيد إنتاج منطق التفتيت والولاءات الفرعية.



