
مخطط إسرائيل لتفكيك السعودية ودور الإمارات في تمرير أجندته الإقليمية
من منظور سياسي ناقد يرى ما يجري في المنطقة من زاوية الأمن القومي العربي، لا يمكن فصل حالة الفوضى الإقليمية عن الرؤية الإسرائيلية طويلة المدى القائمة على تفكيك الدول المركزية الكبرى، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. فإسرائيل، منذ نشأتها، تنظر إلى الدول العربية القوية والمستقرة بوصفها تهديدًا استراتيجيًا محتملًا، حتى وإن لم تكن في حالة صراع مباشر معها. والسعودية، بثقلها الديني والاقتصادي والسياسي، تمثل في هذا السياق هدفًا استراتيجيًا لأي مشروع يسعى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس التفكك والهيمنة.
تقوم الرؤية الإسرائيلية التقليدية، كما يطرحها كثير من منظّريها، على مبدأ “تفتيت الكيانات الكبرى إلى وحدات أصغر متنازعة”، بما يضمن تفوق إسرائيل واستقرارها في محيط مضطرب. هذا المنطق طُبّق – أو جرى العمل عليه – في أكثر من ساحة عربية، سواء عبر إذكاء الصراعات الطائفية، أو دعم النزعات الانفصالية، أو إضعاف الجيوش الوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن استهداف السعودية لا يُطرح بالضرورة عبر مواجهة عسكرية مباشرة، بل عبر محاصرتها بساحات فوضى، واستنزافها، وضرب عمقها الاستراتيجي من الأطراف.
هنا تبرز اليمن، والقرن الأفريقي، والبحر الأحمر، بوصفها دوائر ضغط غير مباشرة على الأمن السعودي. فإضعاف الدول المحيطة بالمملكة، أو تحويلها إلى كيانات هشة ومتصارعة، يعني عمليًا تطويق السعودية بحزام من عدم الاستقرار. وهذا ما يجعل كثيرين يرون أن ما يحدث في اليمن، وفي بعض الملفات الإقليمية، يخدم – بشكل مباشر أو غير مباشر – الرؤية الإسرائيلية، حتى لو لم يُعلن ذلك صراحة.
في هذا السياق، يُطرح دور الإمارات بوصفه دورًا إشكاليًا. فالإمارات، التي انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى مستوى غير مسبوق من التطبيع والتحالف العلني مع إسرائيل، لم تكتفِ بإقامة علاقات سياسية واقتصادية، بل أصبحت – وفق هذا التحليل – جزءًا من شبكة مصالح إقليمية تتقاطع مع الأجندة الإسرائيلية. المشكلة، من وجهة نظر ناقدة، ليست في العلاقة الثنائية بحد ذاتها، بل في انعكاساتها على الأمن القومي العربي، وخصوصًا أمن السعودية.
ففي اليمن، على سبيل المثال، أسهمت السياسات الإماراتية في تفكيك الدولة، ودعم قوى محلية ذات مشاريع انفصالية، وإضعاف الحكومة المركزية. هذا التفكيك لا يُنظر إليه سعوديًا باعتباره مسألة يمنية داخلية فقط، بل كتهديد مباشر للعمق الاستراتيجي للمملكة. وعندما تتقاطع هذه السياسات مع مصالح إسرائيل في إضعاف الدول الكبرى المحيطة بها، يصبح السؤال مشروعًا حول ما إذا كانت الإمارات تلعب دور “الوسيط التنفيذي” لأجندات أكبر منها.
كما أن تمدد النفوذ الإماراتي في الموانئ والجزر الاستراتيجية على البحر الأحمر وباب المندب، يثير مخاوف مضاعفة. فهذه المناطق ليست بعيدة عن الاهتمام الإسرائيلي، سواء من زاوية الأمن البحري أو التجارة أو النفوذ العسكري غير المباشر. وأي حضور أو ترتيب أمني لا يراعي المصالح السعودية في هذه المناطق الحساسة، يمكن قراءته كجزء من عملية تطويق جيوسياسي أوسع.
وفق هذا التحليل، لا يُطرح “تقسيم السعودية” بوصفه سيناريو مباشرًا أو وشيكًا، بل كمشروع طويل الأمد يقوم على الاستنزاف، وإضعاف الدور القيادي، وخلق بيئة إقليمية معادية أو غير مستقرة حولها. فحين تُحاصر دولة قوية بالأزمات من كل اتجاه، وتُستنزف اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا، يصبح تفكيكها أو إضعافها الداخلي هدفًا ممكنًا على المدى البعيد.
الدور الإماراتي هنا يُنتقد لأنه – عن قصد أو دون قصد – يساهم في هذه البيئة. فبدل أن تكون أبوظبي جزءًا من منظومة أمن عربي متماسك، اختارت، وفق هذا الرأي، الاصطفاف مع مشاريع تتناقض مع جوهر الأمن القومي الخليجي، وعلى رأسه أمن السعودية. وهذا ما يجعل كثيرًا من المحللين يرون أن الخطر لا يأتي فقط من الخصوم التقليديين، بل من سياسات الحلفاء عندما تنحرف عن المصالح المشتركة.
ان الحديث عن مخطط إسرائيلي لتفكيك السعودية لا يُفهم بوصفه مؤامرة خيالية، بل كقراءة سياسية لمنهج ثابت يقوم على إضعاف القوى الكبرى في المنطقة. وما يثير القلق الحقيقي هو أن تجد هذه الرؤية من يخدمها عربيًا، سواء بدافع المصالح الضيقة أو الطموحات الإقليمية. والسعودية، بما تمثله من ثقل ديني وسياسي، ستبقى هدفًا لمثل هذه المشاريع، ما يجعل الوعي بطبيعة التحالفات، وخطورة الأدوار الوظيفية، مسألة وجودية لا تقبل التساهل.


